"إعطاء المثل هو السبيل الوحيد لتغيير العالم"
كتبت "فيربينا بوتيني"، المستشارة السابقة للجنة الدولية في مجال العلاج الطبيعي في برنامج إعادة التأهيل البدني في أفغانستان، هذه المقالة لتعبر فيها عن صوت "لورينا إينيبرال بيريز".
Passionate 28 متفان التقييم

لا أزال أتذكر اليوم الذي تعرّفت فيه على لورينا في كابول. لقد كان يوما دافئاً ومشمساً من أواخر أيام شهر أيار/مايو 2016. وقد التقينا في شرفة المنزل الواقع في مجمّع اللجنة الدولية والذي كنت أقيم فيه. وحدث لقاؤنا لحظة وصولها إلى المجمع بعد أن قطعت رحلة دامت 24 ساعة، ولكنها أقبلت نحوي فاتحة ذراعيها وعلى محياها ابتسامة عريضة، وعانقتني وكأنني صديق قديم تلتقي به من جديد. وأصبحنا منذ ذلك الحين كالأختين التوأم. لقد كنا في نفس العمر، وكانت تُميّزنا ملامح ولكنة سكان البحر الأبيض المتوسط، وظللنا نعمل بحماس كأخصائيتين في العلاج الطبيعي في المجال الإنساني على مدى سنوات عدة. وكنا أيضاً ابنتان لوالدين لم يستوعبوا دوماً خيارنا المتمثل في رغبتنا الملحة في مساعدة أشد الأشخاص ضعفاً، ولكنهم كانوا فخورين بنا وكنا نلقى منهم دوماً كل الحب والدعم.

وعملت لورينا كخبيرة علاج طبيعي متخصصة في إعادة تأهيل الأطفال، وكانت تؤدي عملها بالتزام وشغف وحماس وبهمة لا تعرف الكلل. ويشكل الأطفال المصابون بالشلل الدماغي في أفغانستان نسبة كبيرة من الأشخاص الذين يقصدون مراكز إعادة التأهيل البدني التي أقامتها اللجنة الدولية. وقد أدت قلة الموارد المتاحة في البلد إلى تعذر توفير خدمات جيدة لهؤلاء المرضى ولعائلاتهم.

”كان منظرها وهي تتعامل مع الأطفال منظراً يسلب الألباب”

– Verbena Bottini, ICRC

واندمجت لورينا على الفور اندماجاً تاماً في هذا الوضع المعقد. وساعدت على تحديد بعض المسائل الرئيسية المتعلقة بخدمة إعادة التأهيل، وسعت بدأب وأناة إلى تحسين جودة الخدمات التي نقدمها.

وقد أعددنا سوياً دورة تدريبية لفائدة زملائنا الأفغان من أجل تعزيز مهاراتهم التقنية. وكانت لورينا تتوصل على الدوام إلى إيجاد سبل مبتكرة تتيح إشراك الجميع في عملية التعلم، من قبيل اختراع الألعاب واستخدام المواد المعاد تدويرها لصنع لُعب ترفيهية للأطفال، أو ترديد الأغاني الإسبانية بهدف إشراكهم في جلسات العلاج. وكان منظرها وهي تتعامل مع الأطفال منظراً يسلب الألباب؛ لقد كان الأطفال يثقون بها ويفتحون قلوبهم لها. وكنت أعتقد دوماً أن نقاء سجيتها هو مصدر ما لديها من قدرة فطرية على التواصل مع الأطفال.

وحينما كنّا ندرب الوالدين على تحفيز نماء أطفالهم من خلال الأنشطة اليومية، كانت لورينا تخاطبهم دوماً بعبارات رقيقة. وكانت تظهر احترامها لهم لما يخوضونه من كفاح يومي ولما يبدونه من حرص من أجل الحفاظ على حياة أطفالهم وصحتهم.

”كانت لورينا مثلاً أعلى – كانت مراعية لمشاعر الآخرين دوماً، وحاضرة لخدمتهم دوماً، وسنداً لهم دوماً”

– Verbena Bottini, ICRC

وكانت ذات مزاج نفسي طيب على الدوام، وقد استطاعت بهذا السلوك الإيجابي الثابت وبابتسامة ثغرها أن تصل إلى قلوب الكثيرين. وقد كنت أجلس في الكثير من الأحيان على كرسي مكتبي وأخلد مرهقة، في نهاية يوم من العمل المضنى، إلى الصمت المطبق وقد تملكني الغضب والإحباط وأنا أبحث عن حلول للتحديات التي تعترض سبيلنا يومياً. وكانت لورينا تجلس على الجانب المقابل من المكتب، وتتحرك على كرسيها الدوار، وتستمع من حاسوبها المحمول إلى مقاطع من الموسيقى الإسبانية المُبهجة، وتقعل كل هذا وهي تردد جميع الآراء التي ربما كانت تفكر فيها من أجل المساعدة على حل المشاكل القائمة ورفع معنوياتي.

وفضلاً عما كانت تتميز به لورينا من كرم يظهر في ابتساماتها وكلماتها، فقد كانت دائماً تعرض جانبها العاطفي حينما تشتد الحاجة إلى ذلك. وكثيراً ما كنت أبادر، طيلة فترات المهمة التي اضطلعنا بها، إلى الارتماء بين أحضانها وأنا أجهش بالبكاء، لأنه كان من الصعب علينا أحياناً التكيف مع البيئة التي كانت تواجهنا في أفغانستان. ويتطلب التفاعل مع الأشخاص الذين يكابدون المعاناة، والإصغاء يومياً إلى قصص تتحدث عن سوء المعاملة والفقدان، والتعامل مع الضعفاء عاطفياً، التحلي بقدر كبير من صفات القوة والرحمة والتعاطف. وقد كانت لورينا مثلي الأعلى في هذا الصدد – كانت مراعية لمشاعر الآخرين دوماً، وحاضرة لخدمتهم دوماً، وسنداً لهم دوماً.
وكانت إحدى أشد اللحظات التي عشناها معاً هي الحادث الذي شهدته مقاطعة جوزجان في شباط/فبراير 2017 والذي قتل فيه ستة من زملائنا في اللجنة الدولية واختطف زميلان آخران أثناء جولة ميدانية كانوا يقومون بها. ولن أنسى ما حييت حالة الصمت التي كانت عليها لورينا يومها وأثر حضورها الطيب خلال هذا الوقت العصيب. لقد حافظت على رباطة جأشها وكانت في الوقت نفسه تشجع الآخرين على أن يعبروا بأمان عن مشاعرهم وألا يفقدوا بريق الأمل. ويمثل هذا الموقف السليم السبيل الوحيد الذي يمكّن العاملين في المجال الإنساني من أن يظلوا متحمسين لعملهم وأن يبقوا تركيزهم منصباً على المهمة التي يؤدونها دون أن يكبتوا مشاعرهم الإنسانية.

وقد استطاعت لورينا، بفضل القيم التي التزمت بها وبفضل عملها وكفاءتها المهنية، تحسين حياة الكثير من المرضى والزملاء الذين يتذكرونها بكل امتنان. لقد آمنت وأثبتت أن إعطاء المثل هو السبيل الوحيد لتغيير العالم. وهي، كإنسان، تجسد خلق الرحمة والحب الخالي من الشروط، وستظل مصدر إلهام لي في كل يوم.

حاشية

توفيت لورينا في 11 أيلول/سبتمبر 2017. وقد أطلق مريض ينتقل على كرسي متحرك عليها النار عليها في مركز إعادة التأهيل الذي قدمت فيه الكثير لمرتاديه. وهذه حقيقة واقعة لا تزال تثير حزننا. ولكن الأمر لا يتعلق بطريقة تذكرنا لها. وقد جاء في إشادة بعض زملائها بها ما يلي: "في كل مرة كنت أراها، كان رد الفعل الأول يظهر على وجهها، وفي الصوت الجهوري الذي كانت تملكه، وفي عناقها القوي، وفي بسمتها - كانت تغمرك بحضورها. وتغمرك بودها. وستكون هذه ذكراي الدائمة عن لورينا".

Lorena Enebral Perez

ICRC, 2015

ضع تقييمك هنا
Brave
شجاع
Inspiring
ملهم
Hero
بطل
Passionate
متفان
0
هل كنت تعلم ...

تشغل السيدات 12 في المئة فقط من إجمالي مقاعد المجالس الإدارية في مستوى العالم.

– Deloitte, 2015

سجل للحصول على اخر اخبارنا